انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى أمشاج الذرية بالخلق و التصوير

بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على أشرف خلق الله مُحمد صلى الله عليه و سلم,

و بعدُ....

إذا أردنا البحث عن الحمض النووي في القرآن و السنة, فينبغي البحث عن صفته الثابتة التي استقر عليها العلم في وصف الحمض النووي، لأن الاسم قد يتغير بتغير الزمان أو المكان أو اللغة, أما الصفة الثابتة فلا تتغير. و معلوم أن من أهم صفات الحمض النووي أنه يعمل كفيلم قابل للاستنساخ (التصوير) و يحمل شفرة وراثية تمثل صورة أو تمثال مشابه للكائن الحي، و الحمض النووي هو المسؤول عن نقل الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء من خلال الأمشاج. و هذه الصفات الثابتة للحمض النووي قد استقر عليها العلم منذ تمكن العالمان واطسون و كريك في سنة 1953 من اكتشاف الشكل الحلزوني المزدوج للحمض النووي, الذي يفسر كيفية تخزين الصفات الوراثية على الحمض النووي، كما يفسر كيفية استنساخ (تصوير) الحمض النووي, و دوره في نقل الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء من خلال الأمشاج.

 

القرآن و السنة لهما السبق في وصف انتقال الصفات الوراثية عبر الأمشاج

خلق الله آدم من طين {وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ} 7 السجدة، و خلق منه حواء {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء} النساء1، ثم جعل الله  نسلهما من الماء المهين  {وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ} السجدة 7-8، أي من الأمشاج الذكرية و الأنثوية التي تجتمع في الرحم لتعطى النطفة الأمشاج {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}2 الإنسان.

ثم أخبرنا الله بشيء عجيب, فقال أن النطفة الأمشاج التي لا تكاد تذكر تساوى إنسان, فقال تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ.  ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ} 12-13 المؤمنون. 

و نلاحظ أن الهاء في (جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً) عائدة على الإنسان بكل صفاته، و في هذا الإخبار الرباني عن جعل الإنسان نطفة إعجاز علمي غاية في الدقة، إذ كيف تتساوى النطفة التي تمثل خلية واحدة لا ترى بالعين المجردة مع الإنسان الذي يتركب من بلايين الخلايا، فكأنك تقول (فيل و يتلف في منديل).

و هذا الإعجاز لم يعرفه العلم إلا منذ فترة بسيطة عندما فحص النطفة ليكتشف وجود إنسان كامل يعرف باسم الحمض النووي (دنا (DNA = لا يكاد يذكر في الحجم و لكنه يحمل شفرة وراثية كاملة للإنسان و يمكن أن نسميه بالإنسان الجيني   (Genetic human)أو الصورة المشابهة للإنسان. و لما كان الجعل في أحد معانيه هو الصيرورة (التحول من صورة إلى صورة) كان لزاما علينا أن نعلم أن تحول الإنسان الأول إلى نطفة تم بآلية معينة و على مراحل معينة حدثت في الأصلاب حيث يتم خلق و تصوير نطفة الإنسان الذرية من الخلايا الجنسية للآباء.

و من الآيات السابقة نلاحظ أن الله رسم لنا الخطوط العريضة للمعادلة التي تشرح كيفية انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر النطفة, فالخلايا الجنسية للإنسان الأول المخلوق من طين (آدم و حواء) تحولت إلى النطفة, و من النطفة خلق الله الإنسان الذرية في الأرحام (صورة 1, 2).

  

 

 

 


 

(صورة 1: معادلة توريث الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر النطفة)

  

(صورة 2: التصوير يعنى انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر النطفة)

 

و العلم الحديث حين فسر لنا كيفية تحول الخلايا الجنسية إلى نطفة من أجل نقل الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء, قال بأنه حدث نسخ للحمض النووي في الخلايا الجنسية للخصية و المبيض لتتكون الأمشاج الذكرية و الأنثوية التي تتحد في الأرحام لتعطى النطفة الأمشاج، ثم حدث نسخ للحمض النووي الموجود في النطفة الأمشاج لتتكون منه أعضاء الجنين في مصانع البروتينات المعروفة بالريبوسومات (الحمض النووي الريبوسومي). فاستعمل العلم الحديث النسخ لوصف انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء, أما في القرآن و السنة, فسوف نجد كلمة أدق و هي التصوير, و التي استخدمت في القرآن و بعض الأحاديث النبوية لوصف انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء. قال تعالى (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} آل عمران 6، و إذا سألنا النبي صلى الله عليه و سلم عن معنى التصوير في الآية فيقول (إذا مر بالنطفة اثنتان و أربعين ليله بعث الله إليها ملكا فصورها و خلق سمعها وبصرها و جلدها و لحمها وعظامها) رواه مسلم.

فبين صلى الله عليه و سلم أن هناك تصوير من النطفة قبل خلق أي عضو من أعضاء الجسم, و هو ما أسماه العلم الحديث نسخ الحمض النووي الموجود في النطفة و ترجمته إلى بروتينات الأعضاء. و هذا يؤكد أن التصوير قد يستخدم لوصف انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر النطفة.

الهدف من البحث

إثبات أن كلمة النطفة و النطفة الأمشاج في القرآن و السنة يمثلان وصف ظاهري للخلايا المسؤولة عن خلق الإنسان في الأصلاب و الأرحام، أما ما بداخل هذه الخلايا من حمض نووي، فله وصف آخر في القرآن و السنة و هو الصورة، و المقصد من التصوير نقل الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر النطفة، و ذلك بتحول الخلية الجنسية التي تحتوى على حمض نووي كامل، أى 46 كروموسوم (صورة كاملة للإنسان) إلى نطفة تحتوى على نصف الحمض النووي (23 كروموسوم)، فالتصوير هو الآلية التي تفسر كيف جعل الله الخلايا الجنسية للإنسان تتحول إلى نطفة في قوله تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ.  ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ} 12،13 المؤمنون.

و للوصول إلى الهدف السابق لابد من الإجابة على سؤالين:

السؤال الأول: ما الدليل على أن من معاني كلمة التصوير انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر الحمض النووي؟.

السؤال الثاني: أين و كيف استخدم القرآن و السنة كلمة التصوير لوصف كيفية تحول الخلايا الجنسية في الأصلاب إلى أمشاج من خلال ما يسميه العلم الحديث بالانقسام الميتوزي و الانقسام الميوزي (الدورة الخلوية)؟.

و لكي نجيب على هذه الأسئلة لابد من إثبات أن من معاني التصوير في لغة العرب الإيجاد على صفة سابقة (أي أن هناك أصل نأخذ له صورة), لنثبت أن التصوير في القرآن و بعض الأحاديث النبوية هو انتقال الصفات الوراثية من الأصل (الآباء) إلى الصورة (الأبناء) عبر الحمض النووي للنطفة، فيكون آدم و حواء كجسد هما الأصل و الحمض النووي لهما صورة، و من هذه الصورة تم تصوير الذرية في الأصلاب ثم في الأرحام.

أيضا يجب أن نثبت أن كلمة التصوير أدق من النسخ, لأن النسخ لا يعنى إلا مطابقة المنسوخ (الذرية) للمنسوخ منه (الآباء) و هو غير صحيح لأن الأبناء ليست نسخة مماثلة للآباء و لكن هناك تحسين وراثي, أما كلمة التصوير فهي أدق لأنها تصف التماثل أو التشابه بين شيئين, و المماثلة قد تكون تامة أو ناقصة بين الأصل و الصورة (فليس شرطا أن تكون الصورة مطابقة للأصل حتى يقال لها صورة).

إذا فهدفنا في هذا البحث أوضح من الشمس في كبد السماء، و هو أن نثبت أن كلمة التصوير في القرآن و السنة هو المصطلح الأدق لوصف انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء؟، و هو المصطلح المناسب لنفهم كيف جعل الله الإنسان المخلوق من الطين يتحول بكل صفاته البشرية الشكلية إلى صورة جينية (وراثية) بداخل الخلايا الجنسية في الخصية و المبيض، هذه الصورة الجينية تحمل كل الخصائص الوراثية لجسد الإنسان و لها القدرة على الانتقال بالتصوير (النسخ) من الآباء إلى الذرية، و لها القدرة أيضا على تحسين الصفات الوراثية بحيث يختلف الابن عن آبائه في الصفات الجينية و الشكلية.

الآيات و الأحاديث التي تتحدث عن انتقال الصفات الوراثية بالتصوير

لاحظنا أن العلم استخدم كلمة النسخ لوصف انتقال الصفات الوراثية من الخلايا الجنسية في الخصية و المبيض إلى الأمشاج، و من الأمشاج إلى الجنين  في الرحم، أما القرآن و السنة فقد استخدما كلمة التصوير، وعليه فالآيات والأحاديث التي تتناول التقدير الوراثي لابد و أنها تتحدث عن التصوير مقرونا بالخلق أو منفصلا عنه، بغرض إيجاد ذرية آدم (أي نقل الصفات الوراثية من آدم إلى الذرية في الأصلاب ثم في الأرحام من خلال الحمض النووي للنطفة).

 

أولا: آيات التصوير بترتيب المصحف (كلها داخلة في إيجاد ذرية آدم):

 1. (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الأرحام كَيْفَ يَشَاءُ) 6 آل عمران.

2. (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ)11 الأعراف.

3. (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) 64  غافر.

4. (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسماء الْحُسْنَى)24 الحشر.

5. (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)  2، 3 التغابن.

6. (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ .في أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) 7، 8 الانفطار.

 

ثانيا: بعض أحاديث التصوير التي تخص إيجاد ذرية آدم:

1. (إذا مر بالنطفة اثنتان و أربعين ليله بعث الله إليها ملكا فصورها و خلق سمعها وبصرها و جلدها و لحمها وعظامها ثم قال يا رب اذكر أم أنثى فيقضى ربك ما يشاء ويكتب الملك ) رواه مسلم.

2. (اللهم لك سجدت وبك آمنت و لك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه و صوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين) رواه مسلم و النسائي و الدراقطني و البيهقي, و صححه الألباني.  

     و في رواية أخرى جاء الحديث بزيادة فأحسن صورته موافقة لما في القرآن (سجد وجهي للذي خلقه و صوره فأحسن صورته ) رواه مسلم و أبو داود و النسائي, و صححه الألباني, و في رواية أخرى جاء الحديث بلفظة (فأحسن صُورهُ) وذلك بجمع الصورة على صُور (سجد وجهي للذي خلقه و صوره فأحسن صُورهُ ) رواه مسلم.

3. (إذا أراد الله جل ذكره أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها فإذا كان يوم السابع أحضر الله عز وجل له كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ ( في أي صورة ما شاء ركبك)) رواه الطبراني في المعاجم الثلاثة, و قال الهيثمى في مجمع الزوائد رجاله ثقات, و صححه الألباني في السلسلة الصحيحة, و قال حسن على شرط الترمذي.

من معاني و مقاصد التصوير في لغة العرب (لكل صورة أصل)

قال ابن فارس في مُعجم مقاييس اللغة (الصاد، و الواو، و الراء، كلمات كثيرة متباينة الأصول), فالتصوير في لغة العرب يستخدم على عدة معاني, منها:

1. التصوير بمعنى المشابهة و المشاكلة:

في معجم مقاييس اللغة، و في لسان العرب (أصل اشتقاق كلمة الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله، فالصورة تكون مائلة إلى شبه و هيئة الأصل المصوّر)، و في معجم لغة الفقهاء (الصورة كل ما أخذ عن الأصل وكذا مطابقا له ، كصورة الكتاب و كصورة الآدمي), فلكل صورة أصل، و بينهما علاقة شبه، إما كامل أو ناقص كما سوف نرى إن شاء الله.

2. التصوير بمعنى التخطيط و التشكيل (إيجاد شيء في حيز الواقع)

التصوير لغة هو صناعة الصور و اختراعها سواء كانت مجسمة أو مسطحة، في لسان العرب و معجم لغة الفقهاء (يقال صوره، إذا جعل له صورة و شكلا أو نقشا معينا), و في معجم لغة الفقهاء (الصورة هي شكل مخلوق من مخلوقات الله، مجسمة كالصنم أو غير مجسمة, فالكل يطلق عليه صورة من حيث الاستعمال اللغوي).

و ينبغي هنا أن ننتبه إلى أن التصوير بمعنى التخطيط و التشكيل في حيز الواقع لا ينفك أبدا عن المعنى الأول و هو المشابهة و المشاكلة، فلا شك في أن عمل صورة لشيء ما سواء أكان موجود في الواقع أو متصور في العقل و العلم (اختراع)، يدل على مشابهة بين الأصل و الصورة. و لذا قال الإمام الرازي في تفسيره ( التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة: هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه، وأصله من صاره يصوره إذا أماله، فهي صورة لأنها مائلة إلى شكل أبويه), وقال  العلامة الألوسي في تفسيره (التصوير جعل الشيء على صورة لم يكن عليها، والصورة: هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف).

و يقال لصانع الصورة المصور، و بحسب مصور الصورة ينقسم التصوير إلى نوعين:

الأول: و هو تصوير الإيجاد الذي فعله رب العالمين، يقول لسان العرب (المصور هو الذي صَوَّر جميع الموجودات ورتبها فأَعطى كل شيء منها صورة خاصة يتميز بها على كثرتها).

الثاني: تصوير يفعله الناس لتقليد مخلوقات الله بالصور المجسمة كالتماثيل أو بالصور الغير مجسمة كالرسم باليد أو كالتصوير الضوئي كالتصوير الفوتوغرافي.

3.  التصوير بمعنى تخيل الشيء قبل وجوده في حيز الواقع (اختراع)

 فتطلق لفظة التصوير على ما يرسم في الذهن أو العقل، يقول معجم لغة الفقهاء (صور الشيء، إذا تكونت له صورة و خيال في الذهن و العقل دون وجوده في الخارج بالفعل حال تصوره في الذهن)، و هذا النوع يصلح لوصف المخترعات و هو بمثابة التخطيط و التشكيل على المستوى العقلي.

إثبات أن المشابهة بين الصورة و الأصل قد تكون كاملة أو ناقصة

لمعرفة إمكانية إطلاق وصف الصورة و التصوير على علاقة الحمض النووي بجسد الكائن الحي، كان لابد من الإجابة على سؤال مهم, هل كلمة الصورة (التمثال) لا تستخدم إلا لوصف التشابه الكامل بين شيئين؟ أم أنها أيضا تصف التشابه الجزئي بين الأصل و الصورة (التمثال)، أي بينهما تشابه من وجه معين و اختلاف من وجه آخر، كما هو الحال في العلاقة بين الحمض النووي (الصورة) و جسد الكائن الحي (الأصل), أو بين الآباء (الأصل) و الذرية (الصورة). و للإجابة على هذا السؤال كان لابد من الرجوع إلى معاجم اللغة العربية لنتعرف على معنى المثلية و المشابهة من حيث الدلالة على التساوي الكامل أو الجزئي بين شيئين.

 

* دلالة المثلية على التساوي الكامل أو الجزئي (من لسان العرب و تاج العروس):

مِثل كلمةُ تَسْوِيَةٍ و الفرقُ بين المُماثَلةِ والمُساواةِ أنّ التساويَ هو التكافُؤُ في المِقدارِ لا يزيدُ ولا يَنْقُصُ وأمّا المُماثَلةُ فقد تكون على الإطلاق فمعناه أنّه يَسُدُّ مَسَدَّه. أما إذا قيل هو مثلُه في كذا فهو مُساوٍ له في جِهةٍ دونَ جِهةٍ. وماثَلَ الشيءَ شابهه، ومَثَّل له الشيءَ صوَّره حتى كأَنه ينظر إِليه. والتِّمْثالُ الصُّورةُ, والتِّمْثال اسم للشيء المصنوع مشبَّهاً بخلق من خلق الله، وأَصله من مَثَّلْت الشيء بالشيء إذا قدَّرته على قدره. و في مختار الصحاح (التِّمْثَالُ هو الصورة المصورة)، و في معجم لغة الفقهاء (التمثيل بفتح فسكون أو مثل بتشديد الثاء، أي عمل مثيل الشيء وشبيهه).

 

* دلالة المشابهة على التساوي الكامل أو الجزئي (من لسان العرب و تاج العروس):

أَشْبَه الشيءُ الشيءَ ماثله، ومنه قول الله (وأُتُوا به مُتَشابهاً), فرزق الجنة قد يشابه رزق الدنيا في وجه دون وجه، فربما يتشابهان في الصورة ويختلفان في الطَّعْم، و شَبَّه إذا ساوى بين شيء وشيء. و في المصباح المنير: شَبَّهْتُ الشيء بالشيء أقمته مقامه لصفة جامعة بينهما وتكون الصفة ذاتية ومعنوية، فالذاتية نحو (هذا الدرهم كهذا الدرهم)، والمعنوية نحو (زيد كالأسد أو كالحمار, أي في شدته وبلادته), و ( أَشْبَهَ ) الولد أباه و ( شَابَهَهُ ) إذا شاركه في صفة من صفاته.

 

مما سبق من معاني المثلية و التشابه في لغة العرب، يتبين لنا أنه يمكن استخدام المثلية و المشابهة للدلالة على التساوي الكامل أو الجزئي بين شيئين (تساوى في وجه دون وجه).  و ذلك يعنى أيضا أن كلمة الصورة التي تدل على المشابهة و المثلية قد تدل على علاقة شبه و مماثلة كاملة أو ناقصة بالأصل الذي صورت منه الصورة.

 

أدلة ارتباط التصوير بانتقال الصفات الوراثية عبر الحمض النووي

عرفنا أن لفظة التصوير قد تفيد إيجاد شيء على صورة الأصل, و أنها تصف التشابه (التماثل) الكامل أو الجزئي بين شيئين، و لذا يمكننا إطلاق وصف الصورة على العلاقة بين الحمض النووي وجسد الكائن الحي, كما يمكننا وصف انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء بالتصوير.

 

أولاً: أدلة اللغة العربية على ارتباط التصوير بالحمض النووي

1. التصوير في لغة العرب يعنى المشابهة و المشاكلة:

و هو معنى أساسي في وصف العلاقة بين الحمض النووي و الكائن الحي, فالعلاقة بينهما علاقة مماثله (تصوير) و ليست تساوى (نسخ)  وذلك لاختلاف الحجم و التركيب, فالحمض النووي في حجم الذر بالنسبة للكائن الحي, و له تركيب كيميائي يختلف عن تركيب الجسد, إلا أن الحمض النووي يحمل صوره للكائن الحي تمثل الشَّكْلُ والهَيْئةُ والحقيقةُ والصِّفة, و لذا فالحمض النووي يشبه جسد الكائن الحي في جهة دون جهة. فالحمض النووي عبارة عن شفره وراثية مشابهه للكائن الحي، و يُستدل به على الكائن الحي، إذ أن لكل كائن حي الحمض النووي الخاص به أي الصورة الخاصة به التي تميزه عن غيره من الكائنات (أو ما يعرف بالبصمة الوراثية). و لما كانت الصورة (التمثال) هو اسم لشيء مصنوع مشبَّهاً بخلق من خلق الله وأَصله من مَثَّلْت الشيء بالشيء إذا قدَّرته على قدره ويكون تَمْثيل الشيء بالشيء تشبيهاً به, و عليه فالحمض النووي يصلح لأن يكون بمثابة صورة (تمثال) لجسد الكائن الحي, و هذه الصورة تختلف باختلاف الجسد.

2. التصوير بمعنى التخطيط و التشكيل (إيجاد شيء في حيز الواقع)

و هذا المعنى أيضا أساسي في العلاقة بين الحمض النووي و الكائن الحي، فالحمض النووي يتركب من عدة مركبات كيميائية ثابتة في كل الكائنات الحية، إلا أن لها تخطيط و تشكيل (ترتيب) معين يختلف من كائن إلى آخر، بحيث لا نجد كائنين لهما نفس الحمض النووي،  فكل مخلوق له حمض نووي خاص كما أن له صورة شكلية خاصة، و لذا يطلق على الله المصور لأنه هو الذي صَوَّر جميع الموجودات ورتبها فأَعطى كل شيء منها صورة خاصة يتميز بها على كثرتها.

3.  التصوير بمعنى تخيل الشيء قبل وجوده في حيز الواقع (اختراع)

 فصورة كل مخلوق قبل أن تخرج إلى حيز الواقع كانت مُتصورة أي مُخترعة في علم الله، فشكل كل كائن حي في الدنيا هو صورة ما كان في علم الله, و لذا قال صلى الله عليه و سلم (خلق الله آدم على صورته) البخاري و مسلم، قال ابن منظور في لسان العرب (إذا كانت الهاء في صورته عائدة على اسم الله تعالى فمعناه على الصورة التي أَنشأَها الله وقدَّرها في علمه، فيكون المصدر حينئذٍ مضافاً إلى الفاعل لأَنه سبحانه هو المصَوِّر).

4. دقة كلمة التصوير عن كلمة النسخ في وصف انتقال الصفات الوراثية عبر الحمض النووي

لا يستطيع أي أحد أن ينكر أن الحمض النووي هو صورة (تمثال) الجسم البشرى و أن الجنين في الرحم هو صورة (تمثال) الحامض النووي في النطفة الأمشاج, و لذا سمى الله الجنين في الرحم صورة (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الأَرْحَامِ كيف يشاء) 6 آل عمران، و أكد لنا النبي صلى الله عليه و سلم على أن الجنين هو صورة النطفة في الأرحام في قوله (إذا مر بالنطفة اثنتان و أربعين ليله بعث الله إليها ملكا فصورها و خلق سمعها وبصرها .....الحديث) رواه مسلم..

فكلمة التصوير أدق من كلمة النسخ (Copy = Transcript) المستخدمة في اللغة الانجليزية لوصف انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر الأمشاج, لأن النسخ يقتضي النقل الحرفي بدون تغيير, أي المساواة  أو التكرار, و منه قول الله {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الجاثية29، أي ننسخ ما تكتبه الحفظة بلا تغيير، فالنسخ يدل على أنه لا يوجد هناك تحسين في النسل, و منه استنساخ النعجة دوللى التي جاءت صورة طبق الأصل من أمها.

و لأن الأبناء فعليا ليسوا نُسخا من الآباء في الصفات الوراثية، لم يستخدم الله كلمة النسخ مع إيجاد الذرية لعدم دقتها، و استخدم الأدق و هو التصوير, فكلمة التصوير أو (التمثيل) في لغة العرب تدل على معنيين يُكمل أحدُهما الآخر في إنشاء الذرية في الأصلاب:

فالمعنى الأول للتصوير يدل على التماثل الكامل بين الصورة و الأصل، و هذا هو الذي يحدث في الانقسام الميتوزي لإنتاج الخلايا المشيجية الأولية من الخلايا الجنسية في الخصية و المبيض، فالخلية المشيجية الأولية (الصورة) تكون صورة طبق الأصل من الخلية الجنسية (الأصل),

أما المعنى الثاني للتصوير فيدل على احتمالية حدوث تغيير في الصورة عن الأصل حتى و لو كان هذا التغيير في الاتجاه فقط, كما يحدث لصورة الإنسان في المرآة أو في الصور الفوتوغرافية، و هذا التغيير في الصورة عن الأصل هو الذي يحدث في الانقسام الميوزي أثناء تكوين الأمشاج من الخلايا الجنسية في الخصية أو المبيض، فالأمشاج (الصورة) لا تكون صورة طبق الأصل من الخلية الجنسية (الأصل), و لكن تختلف عنها في عدد الكروموسومات و في الصفات الوراثية (التحسين وراثي).

و استعمال التصوير (التمثيل) بهذين المعنيين ليس ابتداعاً منى و لكنه معروف و مُستخدم في لغة العرب, كما سبق و بينت أن كلمة التصوير مأخوذة من المماثلة أو المشابهة, والمُماثَلةُ قد تكون على الإطلاق، فإذا قلت هذا الشيء مثل هذا الشيء فمعناه أنّه يَسُدُّ مَسَدَّه, وإذا قيل: هو مثلُه في كذا فهو مُساوٍ له في جِهةٍ دونَ جِهةٍ.

إذا التصوير قد يراد به مطابقة الأصل فيكون بمعنى النسخ و التساوي، كما أن التصوير قد يراد به الاختلاف عن الأصل, فيتفق معه في شيء و يختلف معه في أشياء. فالذي ينظر إلى صورته في المرآة يقول هذه صورتي و لا يستطيع أن يقول هذه نسختي (لماذا)؟ لأن صورته في المرآة مختلفة عنه في الاتجاه، فاليد اليمين تصير شمال و الشمال تصير يمين. و أيضا الذي ينظر إلى ولده يقول هو صورة منى أو من أمه أو من أحد أقاربه, و لا يستطيع أن يقول أنه نسخة منه أو من أمه، و ذلك لوقوع تحسين في صفات الولد الوراثية بحيث يختلف عن أبيه و أمه بقليل أو بكثير.

وإذا بحثنا في اللغة الانجليزية عن كلمة مساوية لكلمة التصوير في اللغة العربية تكون أفضل من كلمة النسخ الانجليزية (Copy = Transcript) بحيث تشير إلى إيجاد صورة لشيء ما  بالتصوير, كما تشير إلى المماثلة الكاملة أو الجزئية بين شيئين كما أنها تعنى التمثيل لشيء برمز كأنك تنظر إليه، فإننا سوف نجد كلمة (Image) و ترجمتها التصوير، و هذه الكلمة (Image) تعنى في الانجليزية:

a.     Creating a film by scanning or photographing an object

وهذه الجملة تعنى إنشاء فيلم بالتفرس أو التصوير الفوتوغرافي لشيء و تحويله إلى مجموعة من النقاط.

b.     to symbolize and to present a lifelike image of something

وهذه الجملة تعنى التمثيل لشيء برمز كأنك تنظر إليه

c.      one that closely or exactly resembles another

وهذه الجملة تعنى المماثلة الكاملة أو الجزئية بين شيئين

 

ثانياً: أدلة القرآن و السنة على ارتباط التصوير بالحمض النووي

عند تدبر الآيات و الأحاديث التي تكلمت عن التصوير، نجد أن آيات التصوير في القرآن  تخص توارث الصفات و إيجاد ذرية آدم،أما في الحديث الشريف فلفظة التصوير أطلقت على عدة معاني منها ما أريد به توارث الصفات و إيجاد ذرية آدم، و هي التي تعنينا في هذا البحث بإذن الله، و منها ما لا يخص الإيجاد كوصف الوجه بالصورة أو وصف التماثيل و الرسومات بالصور.

 

1. التصوير في الأرحام (فهمه النبي صلى الله عليه و سلم على أنه انتقال للصفات الوراثية)

قال تعالى {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } آل عمران6, و إذا سألنا عن معنى التصوير في هذه الآية فيفسره لنا النبي صلى الله عليه و سلم (إذا مر بالنطفة اثنتان و أربعين ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها و خلق سمعها وبصرها و جلدها و لحمها وعظامها) رواه مسلم. و هنا يبين لنا النبي صلى الله عليه و سلم أن هناك تصوير من النطفة قبل خلق الأعضاء و هو ما أسماه العلم الحديث نسخ الحمض النووي الموجود في النطفة و ترجمته إلى أعضاء, فالحمض النووي يعمل كقالب تصب الذرية عليه, و الاختلافات الواقعة بين البشر هي لاختلاف القالب الخاص بكل واحد.

قال الشيخ الشعراوي في تفسيره (التصوير في الرحم هو إيجاد المادة التي سيوجد منها الإنسان على هيئة خاصة, تختلف في الذكورة والأنوثة, و في الأشكال و الألوان، و هذا الاختلاف يَدُل على أنها ليست من قالباً واحدا ثم يُشكل عليه، فكل مولود يصنعه الله بقدرة ذاتية. فأي صانع إذا أراد أن يصنع كوباً مثلا, يصنع قالباً ويكرره، لكن في الخلق البشري كل واحد بقالبه الخاص....... انتهى بتصرف).

و هذا القالب الذي أشار إليه الشيخ الشعراوي هو الحمض النووي بداخل النطفة و الذي منه يتم تصوير الذرية في الأرحام, و الذي يتم تصويره من الآباء في الأصلاب, فلو قدر الله عز و جل للحمض النووي للذرية أن ينطق و يتكلم لقال لصاحبه (أنا منك و أنت منى, أنا صورتك و أنت صورتي), فالحمض النووي يخرج من الإنسان على هيئة الأمشاج التي تمثل صورة من الحمض النووي في الخلايا الجنسية, و الإنسان يخرج من الحمض النووي في النطفة الأمشاج في الأرحام, و عليه فالإنسان هو صورة الحمض النووي في النطفة.

2. معنى الصورة المركبة في قول الله (في أي صورة ما شاء ركبك).

قال تعالى (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ .في أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) 7، 8 الانفطار, فإذا سألنا عن معنى الصورة المركبة في الآية, فيفسره لنا حديث النبي صلى الله عليه و سلم (إذا أراد الله  جل ذكره أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها فإذا كان يوم السابع أحضر الله عز وجل له كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ : في أي صورة ما شاء ركبك) رواه الطبراني في المعاجم الثلاثة, و قال الهيثمى في مجمع الزوائد رجاله ثقات, و صححه الألباني.

و الحديث أوضح من الشمس في كبد السماء, فالنبي صلى الله عليه و سلم لم يقل أن الصورة هي الشكل الخارجي و لكن شرح كيفية تركيب صورة الإنسان في النطفة أي ما منه تقدير صفاته الوراثية, وذلك من ماء الرجل الذي يطير في كل عرق و عصب من المرأة و هو كناية عن ما منه النسب في المرأة و هو البويضة, فإذا تكونت النطفة الأمشاج كانت هي المسؤولة عن شكل و شبه الجنين لأقاربه من لدن أبيه و أمه حتى آدم عليه السلام. و معنى العرق في الحديث السابق يؤكده حديث النبي صلى الله عليه و سلم (أتى رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال يا رسول الله ولد لي غلام أسود فقال النبي هل لك من ابل, قال نعم, قال ما ألوانها, قال حمر, قال هل فيها أورق, قال نعم, قال فأنى ذلك, قال لعل نزعه عرق, قال لعل ابنك هذا نزعه عرق) رواه البخاري. و يؤكد هذا التفسير معنى التركيب في لغة العرب, في لسان العرب و تاج العروس (رَكَّبَ الشيءَ وَضَعَ بَعضَه على بعضٍ كالفَصِّ يُرَكَّب في كِفَّةِ الخاتَمِ), و قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل: (التركيب إجمالا يراد به تركيب شيء من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت, كتركيب الأدوية من أجزاء متفرقة, و كتركيب الباب في موضعه, و قال تعالى (في أي صورة ما شاء ركبك), و معلوم أن الإنسان لم تتفرق أعضائه قط في الرحم فاجتمعت, بل خلقه الله من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة, و لكن الذي كان متفرقا فركبه الله هو الأمشاج التي كانت متفرقة فجمعها الله ببعضها في النطفة الأمشاج).

3. الخلق لآدم و التصوير للذرية (السلف كانوا يفهمون أن التصوير هو انتقال الصفات الوراثية)

إذا أخذنا بترتيب سور المصحف نجد أن أول مره يجتمع فيها الخلق مع التصوير في آية واحدة هي قول الله (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) 11 الأعراف.

و بالرجوع إلى كتب المفسرين نجدهم اختلفوا في تأويل هذه الآية، فذهب الطبري و ابن كثير نقلا عن الزجاج وابن قتيبة (خَلَقْنَاكُمْ) أي خلقنا آدم  و (صَوَّرْنَاكُمْ) بتصويرنا آدم وإنما قيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر، فالعرب قد تخاطب الرجل بالأفعال تضيفها إليه والمراد في ذلك سلفه, كما قال الله (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة) فالخطاب موجه إلى الأحياء من اليهود والمراد سلفهم المعدوم، فكذلك (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) أي خلقنا أباكم آدم ثم صورناه, أي أن التصوير حدث بعد الخلق لإيجاد شكل آدم و ذلك قبل سجود الملائكة له.

و أصحاب هذا القول لهم العذر لأنهم لم يعرفوا ما وصل إليه العلم الحديث من أن التصوير الوراثي للأبناء يمر بثلاثة مراحل، الأولى في الأصلاب أثناء تكوين الأمشاج، و الثانية عند اجتماع الأمشاج لتكوين النطفة الأمشاج،  أما الثالثة  فهي تصوير الجنين من النطفة الأمشاج في الأرحام. و لما اقتصر علم أصحاب هذا القول على معرفة تصوير الأرحام {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الأَرْحَامِ}آل عمران6، قالوا باستحالة أن يكون هناك تصوير للذرية قبل السجود لآدم و هو لم يتزوج بعد من حواء, و فات عليهم أن الإنسان قبل أن يخلق في الأرحام يخلق في الأصلاب ({فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ } الطارق7،6،5. فالأمشاج خلقت في صلب آدم و حواء من قبل السجود لآدم و منها أخذ الله الذرية حين الميثاق {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى}الأعراف172، و في الحديث (أخذ الله تبارك وتعالى الميثاق من ظهر آدم بنعمان (يعني عرفة), فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال: ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا) رواه أحمد و النسائي و صححه الألباني.

و قد كنت أظن أنني أول من ذهب إلى أن الجمع في (خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) هو جمع حقيقي يدل على خلق و تصوير آدم و حواء و الذرية، فالخلق يدل على إيجاد آدم و حواء بشكليهما المقدر, و التصوير حدث لإيجاد الحمض النووي المشابه لجسد آدم و حواء، ثم لنقل الصفات الوراثية من الخلايا الجنسية لآدم و حواء إلى الذرية عبر النطفة، إلا أنني و بفضل الله قد وجدت أن هذا الرأي قد سبقني إليه بعض كبار المفسرين كالقرطبي و الشوكاني و أبو جعفر النحاس نقلا عن أقوال العديد من السلف الصالح:

1. عن ابن عباس {خَلَقْنَاكُمْ} آدم و {صَوَّرْنَاكُمْ} فذريته خلقوا في أصلاب الرجال و صوروا في الأرحام.

2. عن قتادة و السدي و الضحاك {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي خلقنا آدم ثم صورنا الذرية في الأرحام

3. عن عكرمة و الأعمش {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} خلقناكم في أصلاب الرجال وصورناكم في الأرحام.

4. عن مجاهد {خَلَقْنَاكُمْ} قال : آدم و {صَوَّرْنَاكُمْ} قال: في ظهر آدم و في رواية أخرى قال: خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم حين الميثاق

5. عن الحسن {خَلَقْنَاكُمْ} يريد آدم وحواء فآدم من التراب وحواء من ضلع من أضلاعه {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} ثم وقع التصوير بعد ذلك فالمعنى : ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما.

و خلاصة أقوال أصحاب هذا القول تدل على أن الخلق في {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} كافي لإيجاد آدم بما في ذلك الشكل الخارجي له، بينما يرون أن التصوير حدث لإيجاد الذرية، والاختلاف بينهم على مكان تصوير الذرية فمنهم من قال خلقوا و صوروا في الأصلاب و منهم من قال في الأرحام و منهم من قال خلقوا في الأصلاب و صوروا في الأرحام.

و قد أبدع القرطبي في تفسيره حين جمع بين هذه الأقوال فقال، كل هذه الأقوال محتمل وأصحها ما يعضده التنزيل قال تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ} يعني آدم  و{خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} حواء {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ} أي جعلنا ذريته نطفا خلقوا في أصلاب الآباء و صوروا في الأرحام.  فيكون معنى الآية، بدأ الله خلقكم أيها الناس بآدم و حواء و خلقكم منهما بخلق الأمشاج التي تحمل التقدير لخلقكم و تصويركم في الأرحام ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. و معنى ذلك أن التقدير الوراثي (البرنامج الوراثي) ينتقل من الآباء إلى الأبناء بالتصوير كما سوف نبين في هذا البحث بإذن الله.

و حديثا قال الشيخ الشعراوي في تفسيره (طمر الله الخلق جميعاً في خلق آدم، والعلم الحديث يعطينا مؤشرات على ذلك، فالبذرة فيها كل مقومات الثمرة، وكذلك الحيوان المنوي توجد فيه كل صفات الإنسان. ولذلك فقانون الوراثة يقول أن حياة كل منا تتسلسل عن آخر، فأنت من ميكروب أبيك، والدك جاء من ميكروب جده، وعلى ذلك فكل إنسان الآن فيه جزئ من لدن آدم, و عليه فكلنا كنا مطمورين في جزيئات آدم، وهكذا كان الخلق أولاً والتصوير أولاً، وكل ذلك في ترتيب طبيعي، فإذا خاطب آدم وخاطب ذريته فكأنه يخاطبنا جميعاً...........انتهى بتصرف).

فقد خلقنا الله بخلقه لآدم و حواء كخلايا جنسية في الخصية و المبيض, ثم صورنا بعد تصويره لآدم و حواء, و ذلك في إثناء تكوين الأمشاج من الخلايا الجنسية, و ذلك قبل التسوية و السجود لآدم كما قال تعالى (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإنسان مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ.  ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فيهِ مِنْ رُوحِهِ) 7, 8, 9 السجدة، قال المفسرون بما فيهم الطبري و ابن كثير (بدأ الله خلق الإنسان بخلق آدم من طين ثم جعل نسله أي ذرّيته من الأمشاج، ثم سواه أي سوّى آدم خلقا سويا معتدلا وَنَفَخَ فيهِ مِنْ رُوحِهِ).

إذا فالآية أوضح من الشمس في كبد السماء، فالله جعل تقدير خلق ذرية آدم من الماء المهين قبل التسوية و نفخة الروح, و معلوم أن كلاهما حدثا قبل السجود لآدم (وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) 28, 29 الحجر.

* معنى (و لقد خلقناكم) في الآية (صوره 3):

الواو للابتداء, أي بدأ الله خلقكم أيها الناس بخلق أبيكم آدم بكل صفاته الجسدية, بما في ذلك الخصية التي تحتوى الخلية الجنسية المكونة للمشيج الذكرى (Spermatogonium) . و بالمثل خلق الله حواء, و خلق فيها المبيض الذي يحتوى على الخلية الجنسية المكونة للمشيج الأنثوي (Oogonium). و الخلايا الجنسية في الذكر و الأنثى هي بداية خلق أمشاج الذرية في الأصلاب.                

 

 

(صوره 3. معنى خلقناكم)

* معنى صورناكم في الآية (صورة 4):       

1. تصوير آدم :  هو تصوير الصفات الشكلية المرئية وغير المرئية  (phenotype)لجسد آدم على الحمض النووي في الخلايا الجسدية و الجنسية, بحيث لا توجد صغيره أو كبيره من صفات آدم الجسدية إلا ولها صوره طبق الأصل ممثله بعدد معين من الجينات (Genotyping).

2. تصوير حواء :  وقد تم والله أعلم كتصوير آدم.

3. تصوير  الذرية : بما أن كلمة صورناكم تتضمن تصوير الخلايا الجنسية لآدم و حواء و التي تمثل الأصل الذي تُصور منه الأمشاج، إذا فصورناكم تشمل تصوير الذرية من الخلايا الجنسية.

 

(صوره 4.  معنى صورناكم)

خلق و تصوير أمشاج الذرية من الخلايا الجنسية في الأصلاب (Gametogenesis)

مما سبق يتبين لنا أن التصوير المذكور في القرآن و بعض الأحاديث النبوية يخص انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء، و السؤال الذي نريد الإجابة عليه بمشيئة الله في هذا البحث، هل آية {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} 11 الأعراف, تنص فقط على ذكر إيجاد الذرية في الأصلاب أم أنها أيضا تشرح الكيفية العلمية لخلق و تصوير الذرية في الأصلاب من الخلايا الجنسية لآدم و حواء, عن طريق الانقسام الميوزي و الميتوزي (الدورة الخلوية)؟.

و قبل الدخول في شرح الانقسام الميوزي و الميتوزي, و وصفهما في القرآن و السنة نذكر بعض الحقائق العلمية عن الحمض النووي و كيف يتم نسخه (تصويره) من أجل تضاعف الحمض النووي الواحد إلى اثنين, و كيف يتم التقدير الوراثي لإيجاد الذرية.

 

بعض الحقائق العلمية عن الحمض النووي و كيفية التقدير الوراثي

من المعلوم حديثا أن الخلية هي وحدة بناء الكائنات الحية و منها الإنسان، و كل خلية تحتوى على صورة للكائن الحي تعرف باسم الحمض النووي (دنا = DNA) الذي يحمل الشفرة الوراثية لكل صفات الكائن الحي المرئية و غير المرئية (كاللون و الطول و العقل)، و كأن الله قد جعل للكائن الحي تمثالاً أو صورة متناهية في الصغر بداخل نواة الخلية في حيز لا يزيد عن واحد على المليون من المليمتر المكعب ولكنه إذا فُرِدَ يزيد طوله على المترين

(صورة 5).

  
 

(صورة 5: شكل الكروموسوم و الحمض النووي بداخل الخلية)

 

و الحمض النووي يتكون من حلزونين ملتفين حول بعضهما و هو بدوره يحمل الجينات المسؤولة عن الصفات الوراثية الخاصة بكل إنسان. و كل جين يتركب من تتابع معين من القواعد الأمينية (Nucleotides) و التي تنحصر في أربعة أنواع وهى(ايه= A) و(جى= G) و(تى= T) و (سى= C) بحيث أن القواعد الموجودة على أحد الحلزونين تكون مكمله للقواعد الموجودة على الحلزون الآخر كما لو كان أحد الحلزونين يمثل صورة الحلزون الآخر في المرآة بحيث تكون القاعدة (ايه) مكمله ل(تى) و القاعدة (جى) مكمله ل(سى)

(صوره 6).

(صوره 6: الشكل الحلزوني و تركيب الحمض النووي)

 

و في بعض مراحل انقسام الخلية نجد الحمض النووي الذي يمثل صورة كاملة للجسد قد انقسم إلى ستة وأربعين جسيم صبغي تعرف باسم الصبغيات أو الكروموسومات و التي يشبه كل منها حرف اكس (X) إلا في كروموسوم الذكورة الذي يشبه حرف واى (Y)، وهى مرتبه في أزواج عددها ثلاثة و عشرين زوجا، كل منها متماثل في الشكل ومختلف في التركيب الجيني (صورة 7). و يتكون كل كروموسوم من خيطين متصلين بنقطه مركزية تعرف بالسينترومير  (centromere)

(صورة 8).


 

              (صورة 7: شكل الكروموسومات البشرية)                                                              (صورة 8: تركيب الكروموسوم)

 

و من المعلوم أيضا أن خلايا الكائنات الحية التي تتكاثر بالأمشاج تنقسم إلى نوعين:

1. الخلايا الجسدية: تشمل كل أعضاء الجسد فيما عدا الخصية و المبيض، و هي تقوم بجميع وظائف الجسد ماعدا التكاثر، و كثير منها يتجدد من خلال الانقسام الميتوزي و الذي يحدث فيه نسخ (أو تصوير) للحمض النووي للخلية لتتكون خليتين كل منهما صورة طبق الأصل من الخلية الأم.

2. الخلايا الجنسية: توجد في الخصية و المبيض، و لا وظيفة لها إلا إنتاج الأمشاج الذكرية و الأنثوية من خلال الانقسام الميوزي الذي يؤدى إلى تحسين الصفات الوراثية في الأبناء، فتكون الخلايا الناتجة من الانقسام مختلفة وراثيا عن الخلايا الجنسية. وجميع خلايا البشر تحتوى 46 على  كروموسوم فردى إلا خلايا الأمشاج فإنها تحوى نصف هذا العدد  (23 كروموسوم فردى). و بعبارة أخرى, كافة خلايا البشر تحوى حمض نووي كامل (صورة كاملة للجسد)، و لكن الأمشاج تحوى نصف الحمض النووي (نصف صورة للجسد) (صورة 9).

و بعد التلقيح بين الذكر و الأنثى تلتقي الأمشاج التي تحمل نصف المادة الوراثية في الرحم لتتكون النطفة الأمشاج التي تحمل الشفرة الوراثية الكاملة (الصورة الكاملة) للذرية مع العلم بأن نصف  الصورة الوراثية يأتي من الذكر والنصف الأخر يأتي من الأنثى (صورة 10), و لذا نجد من الشائع أن من يبحث عن زوجة يقول (أبحث عن النصف الآخر و كأنه يقول أبحث عن النصف الآخر من أبنائي.

و الصورة الكاملة للذرية أو الشفرة الوراثية الكاملة في النطفة الأمشاج هي المسئوولة عن خلق و تصوير الذرية في الأرحام و ذلك من خلال تصوير كل جين في الشفرة الوراثية لخلق البروتين المماثل لذلك الجين, فكأن تمثال الشفرة الوراثية في ألنطفه يعمل كقالب لصب الذرية عليه في الأرحام.  مع ملاحظة أن الحمض النووي للذرية في النطفة الأمشاج يمكن تسميته بالصورة المركبة (composite DNA = composite image) لأنه يتركب من نصفين أحدهما من الأب و الآخر من الأم, فالصورة المركبة هي الوصف الدقيق للحمض النووي بداخل النطفة الأمشاج التي تكونت بمشج نطفة الأب مع نطفة الأم

 

 (صورة 10).

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

وصف الانقسام الميوزي و الميتوزي في القرآن و السنة

يتم خلق الأمشاج من الخلايا الجنسية(Germinal cells)  في الخصية (Spermatogonium) و المبيض (Oogonium) على مرحلتين: الأولى و تعرف باسم الانقسام الميتوزي (التصوير المساوي للأصل), الثانية: و تعرف باسم الانقسام الميوزي (التصوير التحسيني = تحسين النسل).

 

أولاَ: الانقسام الميتوزي  (Mitosis)   = التصوير المساوي للأصل

الهدف منه زيادة عدد الخلايا الجنسية في الخصية و المبيض و تكوين مخزون للمستقبل بالإضافة إلى تكوين الخلايا المشيجية الأولية المسؤولة عن إنتاج الأمشاج فيما بعد بالانقسام الميوزي. في الانقسام الميتوزي (صورة 11) يحدث تضاعف (تصوير) لكل كروموسوم في الخلية الجنسية إلى كروموسومين متماثلين, بحيث تتضاعف ال 46 كروموسوم في الخلية الجنسية إلى 92 كروموسوم, ثم تنقسم الخلية الجنسية إلى خليتين متماثلتين مع بعضهما البعض و مع الخلية الأم (صورة طبق الأصل), و تحتوى كل منهما على

46 كروموسوم.

 

 

 

(صورة 11: الانقسام الميتوزي لإنتاج الخلية المشيجية الأولية كصورة من الخلية الجنسية)

 

* آلية تصوير (نسخ أو تضاعف) الحمض النووي (صورة 12)

حتى يحدث تصوير (تضاعف) لجزيء الحمض النووي, ينبغي توفر كميات كافية من النيوكليوتيدات الأربعة المختلفة التي تدخل في تركيبة (A, G, C, T), بالإضافة إلى إنزيم التضاعف (إنزيم بلمرة DNA)، و بعض الإنزيمات والبروتينات الأخرى اللازمة لإتمام العملية على المراحل الآتية:

1. تنفصل سلسلتا جزيء الحمض النووي بعضها عن بعض، فتتحول إلى سلاسل أحادية.

2. يرتبط إنزيم التضاعف بالسلسلة الأحادية، ويقوم بوضع النيوكليوتيدات الواحدة تلو الأخرى بشكل متمم بحيث يتم وضع نيوكليوتيد T مقابل نيوكليوتيد A، و نيوكليوتيد G مقابل نيوكليوتيد C، وتستمر هذه العملية بتحرك إنزيم التضاعف من نقطة البدء حتى نهاية السلسلة.

3. ينتج من هذه العملية جزيئان كاملان من الحمض النووي، يحتوي كل منهما على سلسلة قديمة وأخرى جديدة, و الجزيئان الجديدان يمثلان صورة طبق الأصل من القديم.

 

(صورة 12: آلية تصوير أو نسخ الحمض النووي)

 

وصف الانقسام الميتوزي (Mitosis) في القرآن و السنة

* لوصف هذا الانقسام في القرآن و السنة نحتاج إلى الكلمات الآتية:

            أ‌-      الخلق لوصف إيجاد آدم و حواء, و وصف إيجاد الذرية في أصلابهما, كخلايا جنسية في الخصية و المبيض (إيجاد الخلية الجنسية في الأصلاب)

           ب‌-     التصوير لوصف نسخ كروموسومات الخلية الجنسية الأم إلى الخلايا الجديدة بصورة مماثلة كأنها عملية استنساخ للخلية الأم، أي أنه تصوير بدون تحسين (مماثلة الصورة للأصل).

           ت‌-     (ثم) لوصف الزمن بين الخلق و التصوير بالتراخي و الانفصال، فنربط بينهما بحرف العطف (ثم)، حيث أن الخلية (أي خلية) لا تستطيع الانقسام و النسخ (التصوير) حتى تدخل في ما يسمى بمرحلة الإعداد للانقسام (مرحلة التزود بالزاد اللازم للانقسام = النيكليوتيد

 

فيكون معنى الآية أن الله قد ابتدأ خلقنا بخلق آدم ثم ابتدأ تصويرنا بتصوير آدم، فلا يصح خلقنا إلا بخلق آدم لأننا خلقنا كخلايا جنسية في صلب آدم و لا يصح تصويرنا إلا بتصوير آدم لأن الله صور آدم على الحمض النووي الخاص به في الخلايا الجسدية و الجنسية, ثم صورنا من الحمض النووي للخلايا الجنسية, و كل ذلك قبل سجود الملائكة لآدم.

 * الدلالة العلمية لاستخدام حرف العطف ثم في (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ):

تنقسم دورة الخلية في الانقسام الميتوزي  إلى فترتين أو مرحلتين (صورة 13):

الأولى تسمى بمرحلة إنقسام الخلية أو فترة الخلق (M), و التي حدث فيها إيجاد أول خلية جنسية (في آدم و حواء) في الأصلاب, كما يحدث فيها انقسام لكل خلية جنسية إلى خليتين بعد تصوير (تضاعف) الحمض النووي في المرحلة الثانية من الانقسام الميتوزي, و الخليتين الناتجتين تماثلان الخلية الأم في التركيب الوراثي.

الثانية تسمى الفترة بين كل انقسامين متتاليين و تعرف باسم "المرحلة البينية"Interphase = وتقسم المرحلة البينية إلى ثلاث فترات: الفترة الأولى تعرف باسم"G1" ، و تحدث بعد انقسام الخلية مباشرة و  قبل فترة التركيب أو النسخ"S" ، وتعتبر فترة نمو حيث تتزود الخلية بالزاد اللازم للانقسام التالي (النيوكليوتيدات و بعض المواد الكيميائية اللازمة للانقسام). و الحمض النووي في المرحلة G1 يظل على الحالة التي خرج بها من الفترة  (M) أو فترة الخلق فلا يحدث تصوير في هذه المرحلة. تليها فترة التركيب أو النسخ (التصوير) "S"  وفيها تحدث مضاعفة للحمض النووي DNA ( المادة الوراثية ) . ثم الفترة "G2" وتقع هذه الفترة ما بين فترة التركيب أو النسخ "S" وقبل بداية الإنقسام غير المباشر و  يتم فيها تشكيل الخيوط المغزلية وتكوين بعض التراكيب التي لها أهمية في إنقسام الخلية .

Zone de Texte: خلايا مشيجية أولية لها القدرة على إنتاج الذرية إلا أن استنساخها لا يعطى إلا آدم، لأنها صورة طبق الأصل من الخلية الجنسية لآدم

  


 

 

 

Zone de Texte: أول خلية جنسية آدمية

 

 

 

 

 

 

 


 

  (صورة 13: الخلق ثم التصوير هو أدق وصف للانقسام الميتوزي)

 

مما سبق يتبين لنا أن الفترة (G1) و التي لا يحدث فيها خلق أو تصوير هي فترة تراخى بين فترة الخلق (M)  و بين فترة التصوير "S"  و لهذا فان الله قد استخدم حرف العطف (ثم) للتعبير عن فترة التراخي (G1) بين الخلق و التصوير(صورة 5) و صدق الله إذ يقول:                                 

 

 

 

 


 

نلاحظ أن التصوير في الآية السابقة جاء بالمعنى الأول في لغة العرب و هو النسخ و التساوي، و الدليل على ذلك أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم فقط من دون بنيه (اسجدوا لآدم) و لم يقل (اسجدوا لبنى آدم) أو (اسجدوا لكم)، بالرغم من وجود الذرية في صلبه عند السجود على هيئة خلايا جنسية, و في ذلك أكبر دليل على أن الآية تصف الانقسام الميتوزي الذي يعطى خلايا مماثلة للأصل, فآدم عليه السلام في وقت السجود كان يحمل في خصيتيه خلايا جنسية و مشيجية أولية قادرة على إنتاج الذرية إلا أنها مماثلة لخلاياه الجسدية في التركيب الوراثي, و إذا تم استنساخها في هذه المرحلة (قبل مرحلة الأمشاج) فلن تعطى إلا آدم, و بالتالي فالذرية وجدت في صلب آدم قبل السجود كتقدير وراثي في الخلايا الجنسية القادرة على تكوين الأمشاج في المستقبل.

و هنا تتجلى عبقرية القرطبي في تفسير هذه الآية حين قال (بدأ الله خلقكم أيها الناس بآدم {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ} و حواء {خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} و خلق الذرية منهما في الأصلاب بخلق الأمشاج التي تحمل التقدير لخلقكم و تصويركم في الأرحام ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم). 

 

 

ثانيا: الانقسام الاختزالي أو الميوزي (Meiosis) = التصوير التحسيني

على الرغم من أن الله خلق الناس جميعاً مشتركين في وحدة الخلق (لحم ودم وعظم...), و أصلهم جميعاً أبوين اثنين فقط، إلا أن كل إنسان ينفرد بصفاته المميزة عن غيره من البشر. و هذا الاختلاف في الأشكال ذكره الله في الإنسان و النبات و الحيوان و جعله آية للعالمين, فقال تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فاطر27، 28.

 

و الإعجاز العلمي في هذا المبحث بإذن الله ليس مجرد ذكر إختلاف الأشكال في الكائنات الحية, فتلك حقيقة يعلمها أي أحد بمجرد النظر إلى مخلوقات الله, و لكن الإعجاز الحقيقي في هذا المبحث هو وصف كيفية حدوث هذا الإختلاف كما يصفه العلم الحديث، و لما لا و الذي يصف هو الله الخالق القائل عن نفسه {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} فاطر14.

فالعلم الحديث حين يتكلم عن تحسين النسل يقول بأن إختلاف الصفات الشكلية لا يأتي إلا من إختلاف الصفات الجينية بين الآباء و الأبناء، و ذلك بسبب حدوث تغيير في التركيب الجيني الكروموسومات الأمشاج المتكونة في أصلاب الآباء بحيث لا تتشابه في تركيبها مع كروموسومات الخلايا الجنسية أو الجسدية للآباء. و هذا التغيير الجيني ينشأ من زواج كروموسومات الخلايا الجنسية للآباء مع بعضها البعض في أثناء تكوين الأمشاج بالإنقسام الميوزي الذي يحدث على مرحلتين:

1. الإنقسام الاختزالي الأول = التنصيفي (الميوزي الأول): (صورة 14).

يحدث في هذا الانقسام نسخ غير مساوي للأصل (تماثل غير كامل بين الأصل و الصورة) من أجل تحول الخلايا المشيجية الأولية في الأصلاب إلى أمشاج، وهو مسئوول عن إختلاف الأبناء عن الآباء وراثيا و شكليا, (أي تحسين النسل) و يعرف في القرآن و السنة بالتصوير التحسيني.

يؤدى هذا الإنقسام إلى اختزال عدد 46 كروموسوم فردى كامل (23 زوج) في الخلية الجنسية إلى نصف العدد في الأمشاج، أي 23 كروموسوم فردى كامل. و فيه تنقسم الخلية الجنسية إلى خليتين كل منهما تحتوى على 23 كروموسوم فردى كامل و تسمى الخلية المشيجية الأولية. مع العلم بأنه أثناء هذا الإنقسام يحدث زواج مع تبادل لبعض الجينات بين كل كروموسومين من الكروموسومات الزوجية المتماثلة في الشكل و هذا ما يعرف في الوراثة باسم التصالب (كيازما) أو العبور (CHISMATA = Cross over). و التصالب يؤدى إلى تحسين النسل حيث ينشأ عنه إختلاف في صفات الأمشاج الجينية عن بعضها البعض, وعن الأصل, بحيث لا يشابه الأبناء الآباء, و يختلف البشر عن بعضهم البعض. 

 

 

      (صورة 14. الإنقسام الميوزي الأول)

 

 

* وصف الإنقسام الاختزالي الأول في القرآن و السنة:  

لوصف هذا الإنقسام نحتاج إلى الكلمات الآتية:

                        أ‌-      الخلق لوصف الإيجاد و الزيادة في عدد الخلايا (خليه واحده تتحول إلى خليتين)

                      ب‌-   التصوير لوصف حدوث التصالب و التزاوج بين الكروموسومات و تبادل الجينات

                      ت‌-   ناتج عملية التصالب و هو التحسين فوري في صور الأبناء عن الآباء (العطف بالفاء)                                                                         

                      ث‌-   وصف العلاقة بين الخلق و التصوير بالمصاحبة فنربط بينهما بحرف العطف (الواو)                           

بالرجوع إلى لسان العرب نجد أن معنى (أَحْسَنَ) بتسكين الحاء و فتح السين و النون هو(حَسَّن) بتشديد السين بمعنى التحسين، و عليه فان الآية جاءت لتصف التصوير الوراثي المسؤول عن تحسين صور الذرية بحيث لا تشابه الآباء و الذي يحدث في الانقسام المنصف (الميوزي) الأول المشتمل على التصالب، و هذا القول تشهد له الأدلة الآتية:

1. الآية تخاطب الذرية و لا تخاطب آدم وحواء، لأن آدم وحواء هما أصل  الذرية و ليسا بصورتين يدخل عليهما التحسين، و لذا فان الخطاب في الآية صريح في كونه موجه للذرية فقط (خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ), فآدم و حواء لم يطرأ عليهما الكفر.

2. مخاطبة الذرية بقول الله (صُوَرَكُم) تقتضى وجود أصل يتم التصوير منه و هو الآباء، و انتقال الصورة من الآباء إلى الأبناء لا يكون إلا في أثناء خلق الأمشاج من الخلايا الجنسية.

3. في حديث (سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صوره ) رواه مسلم, نلاحظ أن النبي صلى الله عليه و سلم جعل للوجه عدة صور و ليست صورة واحدة فقال (فأحسن صُورهُ), و لو كان النبي صلى الله عليه و سلم يقصد شكل الوجه لقال (و خلقه فأحسن خلقه) كما قال تعالى (الذي أحسن كل شيء خلقه), أو على الأقل يستخدم المفرد في الوصف فيقول (فأحسن صورته) لأن الوجه له في عين الواصف صورة واحدة و ليست عدة صور, أما أن يأتي  بكلمة الصور  بالجمع بدلا من الخلق (فأحسن صوره),  فذلك لأن الصورة تدل على وجود أصل للوجه يصور منه و هو الحمض النووي, الوجه لا يصور من جين واحد على الحمض النووي و لكن من عدة جينات, و حيث أن كل جين يمثل صورة لجزء معين من الوجه, فبالتالي يكون للوجه عدة صور و ليس صورة واحدة.

4. كلمة التصوير تصف آلية عملية التصالب و التحسين الوراثي بدقة

العلم الحديث حين يصف عملية التصالب, يقول أنها تمر بالخطوات الآتية (صورة 15):

          أ‌-          في كل زوج من الكروموسومات الزوجية المتماثلة يحدث ميل لأحدهما ناحية الأخر

       ب‌-       التعانق بين كل كروموسومين من الكروموسومات الزوجية المتماثلة في الشكل

   ت‌-   تكثف بعض من أجزاء الكروموسومات المتعانقة ليتكون عليها عقد (loop = Knob) قريبة الشبه من شلة الخيط (Slooped skeins) المتصلة بخيط رفيع أو رأس الإنسان على عنقه.

       ث‌-        تثاقل العقد على أطراف الكروموسومات المتعانقة (أو تثاقل الرأس على العنق إذا مالت جانبا)

هذا التثاقل عند أطراف الكروموسومات المتعانقة يؤدى إلى حدوث توتر عند العنق لا يزول إلا بحدوث تشققات عند العنق (Cracks) يتبعها دخول إنزيم قاطع يقطع أطراف الكروموسومات المتعانقة إلى قطع صغيره مع تبادل القطع بين الكروموسومات المتعانقة لكي ينشأ تغيير في صفات الأمشاج الجينية عن الأصل. هذا التفصيل الدقيق لم يصل إليه العلم إلا بعد عام 2004.                    (صوره 15.  خطوات التصالب)

التصوير التحسيني في القرآن و السنة أدق من كلمة التصالب أو العبور

التصالب في اللغة لا يعنى إلا التعامد و لا يمكن أن يصف شكل حرف اكس (X) أما العبور فقد يصف التعامد و قد يصف شكل حرف اكس (X). و بما أن أطراف الكروموسومات المتماثلة تميل على بعضها و تتعانق في شكل حرف اكس فان كلا اللفظين غير دقيق لوصف شكل التلاقي بين الكروموسومات المتماثلة. كما أن كلا اللفظين لا ينص على كيفية حدوث التحسين الوراثي من خلال تبادل الجينات.

أما التصوير التحسيني (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) فيصف عملية التلاقي بين الكروموسومات المتماثلة في الإنقسام الميوزي الأول بالميل والتعانق الذي لا يكون إلا على شكل حرف اكس (X) (صورة 16), فمن معاني التصوير في لغة العرب: المَيَل (صارَ الشيءَ صَوْراً: أَماله فمال, وخص بعضهم به إِمالة العنق, والرجلُ يَصُور عُنُقَهُ إلى الشيء إذا مال نحوه بعنقه) .

 

 

 

 

صورة 16. الفرق بين التصالب و التعانق)

 

لا توجد كلمه تصف أحداث عملية التصالب ككلمة (صُوَرَكُم) التي تأخذ عدة معاني في لغة العرب يكمل بعضها بعضا من أجل وصف آلية التصالب وصفا دقيقا لا يقدر عليه البشر. فالصورة مشتقه من الصَّوَرُ و هو الميل و ذلك ما نجده في معاجم اللغة العربية كلسان العرب و تاج العروس:

    أ‌-    الصَّوَرُ بالتحريك: المَيَل و صارَ الشيءَ صَوْراً: أَماله فمال وخص بعضهم به إِمالة العنق والرجلُ يَصُور عُنُقَهُ إلى الشيء إذا مال نحوه بعنقه و صارَ وجَهَهُ يَصُورُ: أَقْبَل به.

       ب‌-       وفي حديث عكرمة: حَمَلَة العَرْشِ كلُّهم صُورٌ هو جمع أَصْوَر وهو المائل العنق لثقل حِمْلِهِ.

       ت‌-       وصارَ الشَّيْءَ يَصُورُه صَوْراً: قَطَعَه وفَصَّلَه صُورَةً صُورَةً

       ث‌-       وفي التنزيل (فَصُرْهُنَّ إلَيْك) قال بعضُهم: صُرْهُنّ: وجههن و صِرْهُنّ: قَطِّعْهُنّ وشَقِّقْهُنّ.

ومجموع هذه المعاني هو ملخص آلية التصالب الذي يحدث فيه ميل وتعانق للكر وموسومات مع تشقق وتقطع لبعض أجزاءها لثقل الحمل على بعض أجزائها, ثم التحسين بتبادل الأجزاء المتقطعة بين الكروموسومات المتعانقة (صورة 15).

و نلاحظ هنا أن التصوير جاء بالمعنى الثاني في لغة العرب و هو الإختلاف (حدوث تغيير في الصورة عن الأصل), و قد عرفنا سابقا أن التصوير في اللغة العربية قد يراد به مطابقة الأصل فيكون بمعنى النسخ و التساوي, كما أنه قد يراد به الإختلاف عن الأصل.

2. الانقسام الاختزالي الثاني = المتساوي (الميوزي الثاني)

يهدف إلى تضاعف الخليتين المشيجييتين الأوليتين الناتجتين من الانقسام الميوزي الأول إلى أربع خلايا مشيجية ثانوية لها نفس التركيب الجيني للخلية المشيجية الأولية، أي انقسام بدون تحسين وراثي. و حاصل الميوزي الثاني في الذكر هو أربع حيوانات منوية كل منها يحتوى على 23 كر وموسوم فردى كامل، أما في الأنثى فبويضة واحدة و ثلاثة أجسام قطبيه كل منها يحتوى على 23 كروموسوم فردى كامل. و خطوات هذا الانقسام هي نفس خطوات الانقسام التضاعفي (الميتوزي) السابق شرحه.

 

وصف الانقسام الاختزالي الثاني في القرآن و السنة

 * وصف هذا الانقسام هو نفس وصف الانقسام التضاعفي = الميتوزي (Mitosis), حيث تنقسم الخلية المشيجية الأولية الناتجة من الانقسام الميوزي الأول و التي تحوى 23 كروموسوم إلى خليتين مشيجيتين ثانويتين مماثلتين للخلية المشيجية الأولية، و لذا فانه يوصف بقول الله (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) 11 الأعراف.

* هذا النوع من التصوير حدث في أصلاب آدم و حواء, ثم في أصلاب الذرية.


 

كلمة الخلق أدق من كلمة الانقسام الخلوي

سبق و بينا أن كلمة التصوير أدق من كلمة النسخ في وصف أحداث الدورة الخلوية, و أيضا كلمة الخلق أدق من كلمة الانقسام الخلوي و لذا فهي الكلمة المستخدمة في القرآن و السنة و ذلك للأسباب الآتية:

1. لفظة الانقسام لا تدل على الخالق و كأن الخلايا و الأمشاج فاعله بإرادتها. كما أن هذه اللفظة لا تدل على وجود تقدير جيني و تصوير وراثي و هو الحدث الخفي الذي يتم في أثناء تكوين الأمشاج.

    * أما لفظة خلق المنى فتدل على الخالق (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) وتعنى في لغة العرب الإيجاد والتكوين كما أنها تعنى الإيجاد المبنى على التقدير(من نطفة خلقه فقدره).

2. الانقسام كلمه تدل على التنصيف بحيث أن جمع النصفين الناتجين يعطى الأصل و ذلك يستحيل الحدوث عند الكلام عن الأمشاج لسببين الأول هو حدوث التصالب الذي يغير تركيب الكروموسومات الجيني في الأمشاج عن الأصل و الثاني هو زيادة عدد الكروموسومات من 46 في الأصل إلى 92 في الأمشاج المتكونة.

* أما الخلق فهو تحويل مادة معلومة ذات صوره معلومة إلى مادة أخرى مغايرة للمادة الأولى في الشكل والتركيب بحيث يستحيل استرجاع المادة الأولى من المادة المخلوقة. وعليه فان جمع النصفين لا يعطى الأصل لحدوث تغيير في الكروموسومات تركيبا و عددا وذلك متفق مع تعريف الخلق. ولذا قال تعالى عن تطور الجنين من مرحلة إلى أخرى (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق) 6 الزمر، و قال أيضا (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَر) 14 المؤمنون. و من المعلوم أنه لا يمكن استرجاع النطفة من العلقة و لا العلقة من المضغة و هكذا يتضح المعنى.

 

المقترحات المبنية على البحث

1. إعادة تسمية الدورة الخلوية من القرآن و السنة

إن أبرز ما يميز الدورة الخلوية هو حدوث انقسام للخلايا مع نسخ للحمض النووي. و قد عبر القرآن عن كلمة الانقسام بكلمة الخلق و عن كلمة النسخ بكلمة التصوير, و لذا فإنني أقترح إعادة تسمية الدورة الخلوية بالمصطلحات الإسلامية الدقيقة فتسمى بدورة الخلق و التصوير, و تسمية الانقسام الميتوزي بمصطلح (الخلق ثم التصوير) و تسمية الانقسام الميوزي بمصطلح (الخلق و التصوير التحسيني).

2. وضع ترجمة صحيحة لكلمة التصوير في التراجم الأجنبية للقرآن الكريم

الكلمة المستخدمة في اللغة الانجليزية كترجمة للتصوير هي (enshape) و هذه الكلمة تعنى التشكيل و الشكل الخارجي و لا يمكن أن تدل على تصوير شيء من شيء (بمعنى وجود أصل و صورة) و لذا فإنني أقترح تعميم استخدام كلمة (Image) و التي تعنى تصوير شيء من شيء, مع المشابهة.

 

الخاتمة

إن المتدبر لآيات الله التي تتكلم عن الخلق و التصوير سوف يكتشف أن الله بهاتين الكلمتين قد وصف كيفية خلق الأمشاج في الأصلاب, و كيفية انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء بدقة شديدة تفوق قدرة العلوم الحديثة، فقول الله {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} يصف تضاعف أي خلية إلي خليتين بدون تحسين, و ذلك في الانقسام الميتوزي, و قول الله (وصوركم فأحسن صوركم) يصف كيفية زواج الكروموسومات و تحسين النسل في الانقسام الميوزي, بحيث لا يشابه الآباء الأبناء. و معلوم هذه الحقائق العلمية الثابتة قد غابت عن علماء العصر الحديث حتى بدأ اكتشاف حقيقة الحمض النووي بواسطة واطسون و كريك سنة 1953م, فكيف عرف النبي الأمي محمد صلى الله عليه و سلم هذه الحقائق منذ ما يزيد على أربعة عشرة قرنا من الزمان إلا إذا كان رسولا من قبل الله لا ينطق عن الهوى يبلغ ما أرسله به ربه بلا زيادة أو نقصان ليقيم الحجة العلمية على أهل هذا الزمان و كل الأزمان بقول الله {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الْآفَاقِ وَفي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } فصلت53.

المراجع

  1. القرآن الكريم
  2. تفسير ابن كثير
  3. تفسير القرطبى
  4. تفسير الطبرى
  5. تفسيرالبيضاوى
  6. فتح القدير
  7. معانى القرآن الكريم بتحقيق محمد علي الصابوني
  8. مفردات القرآن
  9. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسى
  10. التحرير و التنوير
  11. تفسير الرازى
  12.  تفسير الكشاف
  13. الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبى
  14. صحيح البخارى
  15. صحيح مسلم
  16. مسند الامام أحمد
  17. فتح البارى
  18. المستدرك للحاكم
  19. السلسلة الصحيحة للألباني
  20. مجمع الزوائد للهيثمى
  21. المغرب في ترتيب المعرب
  22. كتاب العين
  23. المقصد الأسنى
  24. أسماء الله الحسنى الثابته في الكتاب و السنه: د. محمود عبد الرازق
  25. تأويل مختلف الحديث لمؤلفه : عبدالله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري
  26. مختار الصحاح
  27. لسان العرب
  28. تاج العروس
  29.  معجم مقاييس اللغة
  30.  معجم لغة الفقهاء
  31. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم
  32.  أحكام التصوير في الفقه الاسلامى: محمد بن احمد على واصل
  33. علم الأجنه قى الكتاب و السنه. كيث مولر (طبعة الهيئة العالميه للاعجاز العلمى)
  34. مدخل لدراسة الهندسه الوراثيه. ا. د. محمد حافظ (كلية طب المنصوره)
  35. الدكتور مكرم ضياء شكارة علم الخلية دار الميسرة للنشر و التوزيع و الطباعة عمان 1999 م
  36. الأستاذ الدكتور مدحت حسين خليل محمد علم حياة الإنسان-  جامعة الأزهر 1998 م
  37.  موقع الوراثه الطبية (شبكة الانترنت)
  38. Breaking Point (Biomechanics of chiasma). By Adam Summers، is an assistant professor of ecology and evolutionary biology and bioengineering at the University of California، Irvine. American museum of natural history September 2005.
  39. DNA structure and recognition 1994 (book)، Neidle، Stephen. IRL press
  40. Technology From Genes to Genomes.Concepts and applications of DNA. 2002. Dale ، Jeremy W and others.
  41.  Genetics.from genes to genomes 2000. Leland Hartwell and others
  42. Genomes Modern Genetic Analysis 2002. Griffiths، Anthony J. F
  43.  Wikipedia، the free encyclopedia (http://en.wikipedia.org/wiki)
  44. http://www.answers.com/topic/imaging